ابن ميثم البحراني
220
شرح نهج البلاغة
سمتها المسافرون في برّ أو بحر فإنّ ذلك القدر منها غير محرّم بل لعلَّه من الأمور المستحبّة لخلوّ المصالح المذكورة فيه عن وجوه المفاسد الَّتي تشتمل عليها الأحكام كما سبق . ولذلك أمتن اللَّه سبحانه على عباده بخلق الكواكب في قوله « وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ والْبَحْرِ » ( 1 ) وقوله « لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والْحِسابَ » ( 2 ) وقوله : فإنّها . إلى آخره . تعليل للتحذير عن تعلَّمها وتنفير عنها بقياس آخر موصول يستنتج منه أنّ المنجّم في النار . وعلى تقدير تفصيله فالنتيجة الأولى كون المنجّم كالساحر وهى مع قوله : والساحر كالكافر . وهذه النتيجة مع قوله : والكافر في النار ينتج المطلوب ، وهو أنّ المنجّم في النار ، والقياسان الأوّلان من قياس المساواة . وقد علمت أنّه عسر الانحلال إلى الحدود المرتّبة في القياس المنتج لأنّ موضوع الكبرى جزء من محمول الصغرى فليس الأوسط بمشترك فهو معدول عن وجهه إلى وقوع الشركة في بعض الأوسط . ولذلك يستحقّ أن يفرد باسم ويجعل لتحليله قانون يرجع إليه في أمثاله . وقد سبق مثله في الخطبة الأولى . وإذا حمل على القياس الصحيح كان تقديره المنجّم يشبه الكاهن المشبه للساحر ومشبه الكاهن المشبه للساحر مشبه للساحر فينتج أنّ المنجّم يشبه الساحر ، وهكذا في القياس الثاني المنجّم يشبه الساحر المشبه للكافر ومشبه الساحر المشبه للكافر يشبه الكافر فالمنجّم يشبه الكافر والكافر في النار فالمنجّم كذلك وهو القياس الثالث ونتيجته . فأمّا بيان معنى الكاهن والساحر والإشارة إلى وجوه التشبيهات المذكورة : فاعلم أنّا قد أشرنا في المقدّمة إلى مكان وجود نفس تقوى على اطَّلاع ما سيكون وعلى التصرّفات العجيبة في هذا العالم فتلك النفس إن كانت كاملة خيّرة مجذوبة من اللَّه تعالى بدواعي السلوك إلى سبيله وما يقود إليه فهي نفوس الأنبياء والأولياء ذوى المعجزات والكرامات ، وإن كانت ناقصة شريرة منجذبة عن تلك الجهة وغير طالبة لتلك المرتبة بل مقتصرة على رذايل الأخلاق وخسائس الأمور كالتكهّن ونحوه فهي نفوس الكهنة والسحرة . وأعلم أنّ أكثر ما تظهر قوّة الكهانة ونحوها من قوى النفوس في أوقات الأنبياء
--> ( 1 ) 6 - 97 ( 2 ) 10 - 5